هل يمكننا حماية أطفالنا من عالمنا الذي يفيض بالمادية؟

اقرئي المقال
لايف ستايل
انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وأهم أخبار الأسبوع
اقرئي المقال
مصدر الصورة: Steinar Engeland

أصبحت الأجهزة الذكية أقرب صديق لأطفال اليوم، فهي لا تفارق أيديهم أبداً وعيونهم تبقى معلقة بشاشاتها. ومع هذا العشق الكبير لتلك الأجهزة، أصبحت اهتمامات الأطفال مركزة على كل ما هو عصري ويشكل صيحة واسعة الانتشار وغيره من الأمور المادية، لذلك فلا داعي للاستغراب أبداً عندما نجد أن نسبة تحول الأطفال إلى أشخاص ماديين ترتفع يوماً بعد يوم.

واجبنا كآباء هو تربية أبناء صالحين وغرس مبادئ القيم والأخلاق في نفوسهم، ولكن بعد كل هذا الانفتاح الهائل على العالم، بين الإعلانات والأغاني المصورة ووسائل التواصل الإجتماعي التي تتضمن رسائل سلبية مثل ”كلما كنت تملك أشياء أكثر كل ما كنت أكثر تميزاً“، أصبح من الضروري على أهالي الأطفال من جيل الألفية، الانتباه على أطفالهم بشكل كبير جداً من التأثيرات السلبية لهذه الوسائل وأولها تحولهم إلى اطفال ماديين.

وهذا ما يضعنا أمام سؤال محير وصعب جداً، هل من الممكن تربية أطفال غير ماديين في عالم يفيض بالمادية؟

وفقاً لرأي الخبراء فإن هذا ممكن، ولكن يتوقف ذلك على فكرتك عن المادية.

يقول رون ليبر، كاتب مقالات في صحفية نيويورك تايمز ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعاً ” The Opposite of Spoiled: Raising Kids Who Are Grounded, Generous, and Smart About Money“: ”من الطبيعي جداً أن نرغب بامتلاك الأشياء المختلفة وأن يتملكنا القليل من الطمع أيضاً، ولو لم نرغب بامتلاك أشياء معينة وسعينا وراءها بإصرار لما بقينا على قيد الحياة، وبالتالي قدر معين من المادية هو جزء أساسي من الحياة“.

المادية لم تخلق معنا، ولم تكن جزءاً أساسياً من أدمغتنا منذ الولادة، بل هي سلوك مكتسب نتعلمه من الحياة

كما تعتقد الدكتورة علا بيختينا، أخصائية علم النفس وخبيرة الفنون واللعب في Thrive Wellbeing Centre بدبي، أن القليل من المادية هو أمر طبيعي وضروري. وتقول: ”عشق الأشياء المادية جزء من النمو واكتشاف العالم“.

ولكن الرغبة بالحصول على شيء ما بين حين وآخر يختلف عن الرغبة الدائمة بأشياء جديدة. هناك حاجة متزايدة عند المراهقين للحصول على أحدث جهاز أو حذاء أو تي شيرت أو أشياء أخرى يعتبروها أساسية ليكونوا سعداء في حياتهم أو ليكون مظهرهم مقبولاً في المجتمع، ومن هنا يمكننا رؤية التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال.

يشبّه ليبر المادية بالناس المتصنعين الذين يقدمون أفضل ما لديهم. ويقول: ”انستقرام عبارة عن أداة مبيعات مليئة بالأشياء الرائعة والأحداث المذهلة التي تهدف إلى جعل الناس غيورين لامتلاكها أو تقليدها، وبسبب قلة خبرة الأطفال في الحياة، فهم يعتقدون أن بامتلاكهم الأشياء التي لا يملكونها أو بفعل ما يفعله الآخرين فسيكونون بالتأكيد أكثر سعادة“.

منطقياً لا يمكننا إلقاء اللوم بأكمله على وسائل التواصل الاجتماعي. فالمادية لم تخلق معنا، ولم تكن جزءاً أساسياً من أدمغتنا منذ الولادة، بل هي سلوك مكتسب نتعلمه من الحياة، وبالتالي يمكننا القول أن الأطفال يتعلمون المادية من آبائهم أولاً.

تقول الدكتورة بيختينا: ”الأطفال في هذه الأيام عرضة للمادية أكثر من السابق ونحن الكبار مسؤولون عن هذا. ومن واجبنا إعادة النظر في تصرفاتنا والتأكد من قيمنا ونمط حياتنا لنكتشف السبب الذي يجعل أطفالنا يفقدون التركيز على الأشياء الهامة في الحياة. أنتم كأهل ما أهمية الأمور المادية في حياتكم؟ يشكل الأطفال آراءهم تبعاً للعائلة التي ينشؤون فيها، إذ تلعب العائلة دوراً رئيسياً في تطور فكر الطفل. لذلك فإن التفكير في عاداتنا وتفضيلاتنا كآباء أمر هام جداً، ويسيء بعض الأهل استخدام الأشياء المادية، فمثلاً يعوضون انشغالهم عن أطفالهم، وغيابهم عنهم من خلال إغراقهم بالهدايا“.

يجب على الأطفال تعلم كيفية الاستمتاع باستخدام الأشياء المادية لخدمة المجتمع ومساعدة المحتاجين

كيف يمكننا التفريق بين ما يمكننا تقديمه للأطفال وما يجب أن نقدمه؟

يعتقد ليبر أنه يجب علينا تحديد الفرق بين الرغبات والاحتياجات، ويمكننا القيام بذلك مع الأطفال الصغار، وذلك عبر رسم خط أفقي وكتابة كلمة ’احتياجات‘ في إحدى نهايتي الخط وبالنهاية الأخرى نكتب كلمة ’رغبات‘ ورسم خط عمودي في المنتصف عند النقطة التي يمكنكم إنفاق المال فيها.

يطرح ليبر مثال الهاتف الذكي، وهو أمر يثير كثيراً من الجدل في العديد من الأسر، فيقول: ”تعتبر الهواتف الذكية رغبة عند الأطفال وليست حاجة. يحتاج الأطفال إلى قدرة استخدام الرسائل النصية وخدمة التسجيلات الصوتية بما أنها من وسائل التواصل في هذه الأيام، ولكنهم لا يحتاجون إلى اتصال بالإنترنت دائماً، وإذا أرادوا استخدامه فعليهم دفع تكاليفه بأنفسهم“.

وبرأي ليبر، يتمحور الأمر حول مبدأ المقايضة، وهو التنازل عن أمر مقبال الحصول على آخر، وهو مبدأ نعتمد دوماً كبالغين، وعلينا أن نعلم أطفالنا هذا الشيء. ”يجب أن نعمل على توفير كافة الأمور التي يحتاجون إليها وبعض من الأشياء التي يرغبون بها، وبذلك لا يتوقفون عن السعي بأنفسهم للحصول على الأشياء الأخرى التي يرغبون بها“.

تعليم الطفل الشكر والامتنان أمر هام للغاية في موازنة المادية، هناك دراسة بعنوان ”تأثير الامتنان على أفكار المادية والكرم عند المراهقين“ أجراها ماكولوغ وإيمونس وتسانغ. أظهرت هذه الدراسة أن تعزيز فكرة الامتنان عند الأطفال يقلل من المادية. كما وجد العلماء أن الامتنان يولد شعوراً بالدعم عند الفرد ما يعزز الأمان والرضى وبالتالي تقل المادية. أجرت دراسة على 870 مراهقاً في الولايات المتحدة بين عمر 11 و17 عاماً وقيست درجة امتنانهم من خلال درجة شعورهم بالسعادة تجاه الأشخاص والممتلكات في حياتهم، وذلك عبر موافقة أو رفض المشاركين لعبارات معينة مثل: ”من السهل التفكير بالأشياء التي يجب أن تكون سعيداً لوجودها“، أو ”كلما امتلكت مالاً أكثر عندما أكبر كلما كنت أكثر سعادة“. أظهرت النتائج أنه كلما كان المراهقون أكثر امتناناً انخفض مستوى المادية لديهم.

اهتمام الأهل بإظهار الامتنان على الأشياء الجميلة يعتبر طريقة فعالة لتعليم الأطفال الصغار التعبير عن امتنانهم، مثل إلقاء كلمة صغيرةعن الأشياء المميزة التي حصلت في ذلك اليوم بينما يجتمع الجميع حول طاولة العشاء . ويقول ليبر: ”يساعد هذا على صرف انتباه الطفل عن الأشياء التي لا يملكها، ويتمحور تركيزه على ما يملك“.

كما يعد استثمار الخبرات طريقة أخرى ناجحة لتعليم الأطفال متعة القيام بالأشياء بدل شرائها.

يقول ليبر: ”تظهر كافة أبحاث السعادة أن القيام بالنشاطات يتفوق على امتلاك الأشياء، وقد يفضل الأطفال التجربة بدل المال، مثل الاستمتاع بوقتهم في تعلم كرة القدم أو قراءة قصة مع آبائهم. يجب على الأهل التركيز على هذه الفكرة، وقد يكون النشاط العائلي أحياناً أكثر تكلفة، ولكن إصراركم على القيام به يرسخ تلك الأفكار في رؤوس أطفالكم أكثر“.

تتبلور شخصية الأطفال من خلال ما يتعلمونه وليس من خلال الأشياء التي يملكونها

توافق الدكتورة بيختينا الدكتور ليبر الرأي وتقول: ”من خلال تجربتي في العمل مع الأطفال والعائلات، اكتشفت أن طلب الأطفال ممارسة النشاطات المسلية مع والديهم وتفضيلها على الهدايا ليس أمراً نادر الحدوث“. تقترح بيختينا ممارسة أنشطة رياضية تركز على سعادة الأطفال من أجل تنمية شعورهم بالامتنان. ”مشاهدة أفلام وثائقية عن أطفال آخرين في أنحاء العالم والظروف المعيشية التي يمرون بها، أو المشاركة بأعمال تطوعية، أو تشجيع الأطفال على رعاية الحيوانات، جميعها أنشطة تنمي التعاطف وتساعد الأطفال على الاهتمام بالأشياء غير المادية. بالإضافة إلى تعليمهم أهمية إعادة التدوير والاهتمام بالحفاظ على البيئة. النتيجة التي يجب على الأطفال الوصول إليها هي أن يستمتعوا باستخدام الأشياء المادية لخدمة المجتمع ومساعدة المحتاجين“.

بالرغم من أننا لا نملك سيطرة كاملة عن الأفكار التي يتلقاها أطفالنا خارج المنزل، وعن التفاصيل التي يتأثرون بها، لكننا لاتزال الكفة تميل إلينا، إذ تتبلور شخصية الأطفال من خلال ما يتعلمونه وليس من خلال الأشياء التي يملكونها. لذا في المرة القادمة التي يدخل طفلك في نوبة غضب عارم بسبب رفضك شراء شيء ما يرغب به، لا تحزني بل اشعري بالسعادة وكوني واثقة أنك تقومين بالتصرف الصحيح.

اعرفي كل جديد.
تابعي كل الأخبار والمقالات من Savoir Flair يومياً لتصلك إلى حاسوبك أو هاتفك المحمول. إنها الطريقة الأسهل والأسرع لتكوني على اطلاعٍ دائم بكل جديد في عالم الموضة والجمال وأسلوب الحياة الراقية.
اضغطي هنا ليصلك كل جديد على جهازك مباشرة.
يمكنك إيقاف الإشعارات في أي وقت ترغبين.
إلغاء تلقي إشعارات Savoir Flair
اضغطي هنا لإلغاء تلقي إشعارات Savoir Flair على هذا الجهاز.