هل يمكن لأم ألا تتقبل طفلها؟ أم هو اكتئاب ما بعد الولادة؟

اقرئي أيضاً
صحة ورشاقة
12 نصيحة تقلب نمط حياتك إلى آخر صحي بأقل السعرات الحرارية
اقرئي المقال
Depression
مصدر الصورة: Hadis Safari

قد تستغربن العنوان، وقد يخيل إليكم أن هذا مستحيل، فكيف يعقل لأي أم أن ترفض طفلها، ذلك المخلوق الصغير الضعيف، إنه طفلها! لكن إذا فكرتن مجدداً وراجعتن تجاربكن مع الولادة فقد تدرك الأغلبية منكن أنهن شعرن بهذا الشعور ولو للحظة.

عانيت من اكتئاب مع بعد الولادة بعد حوالي ستة أشهر من ولادتي بطفلي، ولم أكن أعرف قبلها أنني أعاني من هذا الاكتئاب أو أن هذا النوع من الاكتئاب موجود أصلاً. كنت أشعر أن هناك شيئاً غير طبيعي، ولم أكن أعرف طعم الراحة. بطبيعتي أتأثر بأي تفصيل يمر في حياتي، عادة تمر الأيام بشكل سلس وطبيعي، لكن أي تغيير في العادات اليومية، أو أي مشكلة تواجهني في العمل، خلاف بسيط مع أي شخص كان يسبب لي الكثير من التوتر، فكيف إذا كان هذا التغير ولادة طفل جديد؟ حاولت كثيراً تجاهل ما أشعر به، لكن نادراً ما كنت أنجح بذلك. ساءت حالتي كثيراً في إحدى الأيام حتى اضطر زوجي لطلب العون من أحدى الجارات لتأتي وتطمئن علي أثناء وجوده في العمل.

الخوف الدائم الذي يسكن قلبي من أنني لست أماً صالحة لطفلي تركني منهكة تماماً، عقلياً ونفسياً وجسدياً

وكما الحال في أي مشكلة تواجه أي سيدة، فإننا نتجه دوماً إلى أمهاتنا، وعندما صارحت أمي بما أشعر وبالضيق الدائم والتوتر الذي يتملكني، كان ردها:”من منا لم تشعر بهذا التعب بعد ولادتها؟!“. بالنسبة لزوجي كانت هناك أمور كثيرة تشغل باله، أولها الوضع المادي، فكان دائم القلق من أن ولادة الطفل الجديد ستكون عبئاً على دخلنا المحدود، وقد نكون في ورطة. كان يصارحني بأفكاره، الأمر الذي يزيد التوتر في قلبي، ولا يترك لي مجالاً لأفصح له عن همومي وما يتعبني. هم الواجبات اليومية، ومتطلبات الاعتناء بالطفل الجديد، والأزمة المالية، والخوف الدائم الذي يسكن قلبي من أنني لست أماً صالحة لطفلي تركني منهكة تماماً، عقلياً ونفسياً وجسدياً. استمر الأمر على هذه الحال حتى أتم طفلي الستة أشهر، وما كان مني في النهاية إلا أن أصبحت بحاجة لمساعدة حقيقية، وزرت الطبيب الذي شخص حالتي بأنني أعاني من توتر ما بعد الصدمة من بعد ولادتي بطفلي. صدمت بحقيقة الأمر، بالرغم من أنه كان التشخيص الطبيعي لحالتي. رفضت تناول أي من الأدوية التي وصفها لي الطبيب، فهول المرض الذي كنت أعاني منها كان كافياً ليخيفني من نفسي، وكنت أخاف أن تحولني تلك الأدوية إلى شخص آخر فأفقد نفسي تماماً.

قررت أن أداوي نفسي بنفسي، استجمعت قوتي وركزت أفكاري على النواحي الإيجابية. عدت إلى ممارسة الرياضة من جديد والعودة إلى نمط حياتي الطبيعي، وبدأت أشعر بأن هذه التغييرات كان لها تأثير كبير على نفسيتي. لكن من جديد، ودون أي توقع، حملت مرة ثانية. لم يكن طفلي الأول قد تجاوز الثمانية أشهر عندما أخبرني الطبيب أنني حامل. عدت إلى حالة القلق والتوتر من جديد، لكن هذه المرة كان الأمر أصعب، فقد كانت فكرة عيش تلك المرحلة مجدداً ترعبني. استغرق الأمر أسابيع وحتى أشهر حتى تقبلت فكرة حملي الثاني، وعانيت من اكتئاب ما قبل الولادة طيلة فترة الحمل.

أنا نفسي لم أكن أستوعب ما أمر به، كل ما أعرفه أنني كنت أحمل طفلة رائعة بين يدي ولم أكن أتقبلها

كانت ولادتي بطفلتي مبكرة، كما كان الأمر مع ولادتي بطفلي أول مرة. ولهذا بقيت طفلتي في الحاضنة لمدة خمسة أيام بعد الولادة. في تلك الفترة كنت لوحدي ولم يكن علي الاعتناء بها وشعرت أنني بخير، معنوياتي عالية ونفسيتي مرتاحة، لكن ما إن عادت طفلتي إلي حتى عاد اكتئاب ما بعد الولادة وبشكل أكثر قسوة هذه المرة.

كلمة قسوة قليلة لوصف ما كنت أمر به في تلك الفترة. حاولت تجاهل الأمر كالعادة، لكن اليوم التاسع من ولادتها كان الحد الفاصل، وعلمت أنه لابد من القيام بأمر ما لوضع حد لما أعيشه. يومها أذكر أنني وضعت طفلتي بخشونة على السرير وكأنني كنت أرميها، كنت غاضبة جداً ومستاءة لأنها لا تتمكن من الرضاعة من صدري بالشكل الصحيح، ولأنها دائمة البكاء. أذكر أنه كاد يجن جنون زوجي الذي صرخ في وجهي محاولاً أن يستوعب سبب ما أقوم به. كل ما أذكره أنني كنت أحمل طفلة صغيرة بعمر الأيام في غاية الجمال بين ذراعي ولم أكن أتقبلها، ورميتها على السرير بكل خشونة، بطريقة لا تمت للأمومة بصلة، لكن صدقاً لم يكن لدي أي تبرير لهذا التصرف القاسي. زادت عصبية وصراخ زوجي من توتري، كان يلومني بشدة ويشعرني أنني الأم الوحيدة في العام التي تجد صعوبة في التعامل مع طفلها الصغير. لا يمكنني لومه كثيراً فردة فعله كانت طبيعية بعد المشهد الذي رآه، وكانت تتصارع في رأسه كتلة من المشاعر بين الخوف والحب والأبوة والغضب.

لا أنسى نفسي وأنا أجلس ليلاً في الحمام أبكي بكل أسى. لم أشعر بالوحدة أبداً كما شعرت بها في تلك الفترة. أمي عجزت عن استيعابي، زوجي عجز عن استيعابي. شعرت أنني وحيدة وضعيفة ولا يمكن لأي كان أن يساعدني. أنا نفسي لم أكن أستوعب ما أمر به، أو سبب الطريقة التي أتصرف بها.

في النهاية أصبت بالعجر، ولجأت إلى طبيبة تبين لي أنها إنسانة رائعة، كانت بمثابة النور الذي أضاء عتمة حياتي. شرحت لي أن ما أشعر به والتوتر الذي يتملكني بشكل دائم ناتج عن تغيرات كيميائية في دماغي، وأنني اليوم الشخصية التي تتحكم بها تلك التغييرات. وصفت لي أدوية تعمل على مساعدة دماغي لأن يعمل بشكل طبيعي، لأعود إلى نفسي وشخصيتي. ونصحتني أن أراجع مستشارة اجتماعية والتي كانت بدورها رائعة معي أيضاً، وعلمتني بعض الطرق للتعامل مع الحالات التي أشعر عندها بالضغط.

شيئاً فشيئاً بدأت أشعر أنني إنسانة طبيعية مجدداً، وبدأت الأمل يعود إلي باستعادة نفسي إلى حد ما. بعد مرور بعض الأسابيع أو الأشهر لأكون صريحة شعرت بأنني أستعيد نشاطي وقوتي من جديد. لكن ظل ذلك الرعب من تلك الشخصية ساكناً في قلبي، وكنت دائماً أخاف من العودة إلى ما كنت عليه. تدهورت الأمور مرة عندما شعرت أن الدواء لم يعد يؤثر بي، لكن بعض النصائح من طبيبتي النفسية وتغيير نوع الدواء كانا كفيلين باستعادة السيطرة على الأمور من جديد.

بعد ستة أعوم من ولادة طفلتي أصبح بإمكاني القول أنني أفضل بكثير. توقفت عن تناول الأدوية واحتفظت ببعضها للاستعانة بها في أوقات الحاجة. انفصلت عن زوجي، فهو لم يكن قادراً على استيعاب حالتي ومرضي، واضطراب نفسيتي حينها ترك شرخاً كبيراً في علاقتنا الزوجية. لكن التوتر الذي سببه الانفصال كان أقل وأسهل بكثير من اكتئاب ما بعد الولادة. لم أكن قلقة فكان بإمكاني تدبر أموري وحدي من دونه.

ما ساعدني على المضي قدماً إلى جانب الأدوية بكل تأكيد كان صديقة تعرفت عليها، كنا كلانا في فترة الحمل. كانت عوناً كبيراً لي خلال الانهيار الذي عشته بعد ولادة طفلي، وكانت تتفهم كل ما أمر به. كذلك الأمر بالنسبة لأختي التي ساعدتني كثيراً في تربية أطفالي الاثنين. لكن كان عليها السفر والعودة إلى منزلها، وبقيت المحادثات عبر برنامج Skype المنفذ الوحيد، الذي ساعدني على الشعور أنني لست وحيدة ولازالت هي بجانبي.

هناك حالة عامة من الإنكار حول مرض اكتئاب ما بعد الولادة، ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بشكل عام يزيد من هذا الإنكار

الفضل الأكبر يعود للطبيبة التي قابلتها بعد ولادة طفلتي. لقد شرحت لي كل التفاصيل المتعلقة بالتغييرات الكيميائية التي تحدث في الدماغ بعد الولادة، وأن ما يجري هو طبيعي. كانت لطيفة وصبورة ومتعاطفة معي وعملية في الوقت نفسه، وهي كل الصفات التي كنت أحتاجها خلال تلك الفترة. كذلك الأمر بالنسبة للطبيبة النفسية التي رافقتني لعدة سنوات. والأغرب أنه كان من المريح بالنسبة لي التحدث مع والدة زوجي السابق حول مرضي، بالرغم من أنني كنت أجد صعوبة كبيرة في التفاهم معها في الكثير من المواضيع الأخرى. وأخيراً كان لوالدي أثر كبير أيضاً. بالرغم من أن علاقتنا كانت ضعيفة جداً خلال طفولتي إلا أنه كان عوناً وسنداً كبيرين لي في تلك الفترة وأنا ممتنة لوجوده معي وتقربنا من بعضنا قبل وفاته. لم يحسسني بالنقص أبداً، ولم يشعرني أنني أم سيئة إطلاقاً، في كثير من الأحيان كان يساعدني بما أحتاج بكل هدوء دون أن أضطر إلى طلب ذلك.

عندما أنظر إلى تجربتي اليوم لا يمكنني إلا أن أتمنى الكثير، أتمنى لو أنني كنت أعلم أن هناك مرضاً يسمى اكتئاب ما بعد الولادة، أتمنى لو كانت أمي صريحة معي حول معاناتها منه أيضاً بعد ولادتها الثالثة، لكن مشاركتي معاناتي معها كانت تعيد إليها الكثير من الذكريات الصعبة لذلك فضلت الهروب منها والابتعاد. أتمنى لو كنت أعلم كل تلك النصائح التي قدمتها لي طبيبتي فلربما كان ذلك ساعدني على البدء بالحل منذ وقت أبكر بكثير دون أن أصل إلى المرحلة السيئة والصعبة التي وصلت لها. أتمنى لو أن هنالك المزيد من التوعية حول اكتئاب ما قبل الولادة، وأن يكون هناك مستشارون صحيون يزورون الأم بعد الولادة للتأكد من وضعها. فبقدر ما كان من السهل علي إخفاء تدهور حالتي أمام أصدقائي ومعارفي، بقدر ما سيكون ذلك أصعب أمام مختصين يدركون المرض بالضبط ويعرفون تماماً كيفية الكشف عنه.

هناك حالة عامة من الإنكار حول مرض اكتئاب ما بعد الولادة، ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بشكل عام يزيد من هذا الإنكار. أينما تلفت حولك تجدين أمثلة عن الأمهات المثاليات، الولادات المثالية، الأطفال المثاليون، ولن نخفي أنه لا زال من الصعب على مجتمعاتنا التحدث عن أي مواضيع متعلقة بالصحة العقلية للأشخاص.

لذلك قررت ألا أزيد في المشكلة التي عانيت منها شخصياً، وكتبت تجربتي مع اكتئاب ما بعد الولادة ونشرتها على أحد مواقع جمع التبرعات. عندما علم زوجي السابق بالأمر لامني كثيراً وقال أنه كان من الأفضل ألا أفصح عن تلك التفاصيل فلربما قرأت طفلتي هذا الكلام يوماً فستشعر حينها بالحزن الشديد. لكن في قلبي كنت أتمنى لو تقرأ ابنتي هذا المقال عندما تكبر، فإذا شعرت بهذا الاكتئاب عندما تصبح أماً ستعرف أن هذا الأمر طبيعي وستتعلم من تجربتي. أريدها أن تعرف أنها لن تكون مجرمة إذا شعرت أنها لا تحب طفلها المولود حديثاً، فهذا الشعور ليس نابعاً منها هي بل هو نتيجة المرض القاسي الذي يسيطر على دماغها وأفكارها، وأن الحل موجود والشفاء سهل. وأريد أن يعرف ابني إنه إذا شعرت زوجته في المستقبل أنها لا تتقبل طفلها، فعليه أن يكون بجانبها ويساعدها ويقدم لها الدعم الذي تحتاج حتى تتخطى تلك المحنة. أتمنى أنه في المرحلة التي يصبح فيها لأطفالي أطفال، يصبح الحديث عن اكتئاب ما بعد الولادة أمراً أسهل، وأن يتقبل العالم فكرة إن إنجاب الأطفال قد لا يكون القرار الأذكى أحياناً. أتمنى أن يتمكن أحد من تطوير علاج يقي من الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة فلا يعيش أحد التجربة القاسية التي عشتها.

في النهاية المرض النفسي أو العقلي هو كأي مرض يحتاج علاجاً، ويجب على المجتمع أن يكف عن اعتباره أمراً معيباً ويبقيه طي الكتمان.

 

اقرئي أيضاً:
https://dviyeq873v9uq.cloudfront.net/wp-content/uploads/2018/03/11152109/kristopher-roller-188180.jpg
هكذا تغلبت على الاعتداء العاطفي خلال زواجي وتابعت حياتي بنجاح
اعرفي كل جديد.
تابعي كل الأخبار والمقالات من Savoir Flair يومياً لتصلك إلى حاسوبك أو هاتفك المحمول. إنها الطريقة الأسهل والأسرع لتكوني على اطلاعٍ دائم بكل جديد في عالم الموضة والجمال وأسلوب الحياة الراقية.
اضغطي هنا ليصلك كل جديد على جهازك مباشرة.
يمكنك إيقاف الإشعارات في أي وقت ترغبين.
إلغاء تلقي إشعارات Savoir Flair
اضغطي هنا لإلغاء تلقي إشعارات Savoir Flair على هذا الجهاز.